السيد الطباطبائي

68

سنن النبي ( ص ) ( مع ملحقات )

وإنما قال " بيننا " لأنه ضم المؤمنين به إلى نفسه ، وقد كان الكافرون من قومه هددوا إياه والمؤمنين به جميعا إذ قالوا : " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " ( 1 ) فضمهم إلى نفسه وهاجر قومه في عملهم وسار بهم إلى ربه وقال : " ربنا افتح بيننا . . . الخ " . وقد استمسك في دعائه باسمه الكريم : " خير الفاتحين " لما مر أن التمسك بالصفة المناسبة لمتن الدعاء تأييد بالغ بمنزلة الإقسام ، وهذا بخلاف قول موسى ( عليه السلام ) : " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " المنقول آنفا ، لما تقدم أن لفظه ( عليه السلام ) ليس بدعاء حقيقة بل هو كناية عن الإمساك عن الدعوة وإرجاع للأمر إلى الله فلا مقتضي للإقسام بخلاف قول شعيب . ومن ذلك ما حكاه الله من ثناء داود وسليمان ( عليهما السلام ) قال تعالى : " ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " ( 2 ) . وجه الأدب في حمدهما وشكرهما ونسبة ما عندهما من فضيلة العلم إلى الله سبحانه ظاهر ، فلم يقولا مثل ما حكي عن غيرهما كقول قارون لقومه إذ وعظوه أن لا يستكبر في الأرض بماله : " إنما أوتيته على علم عندي " ( 3 ) وكما حكى الله عن قوم آخرين : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون " ( 4 ) . ولا ضير في الحمد على تفضيل الله إياهما على كثير من المؤمنين ، فإنه من ذكر خصوص النعمة وبيان الواقع ، وليس ذلك من التكبر على عباد الله حتى يلحق به ذم ، وقد ذكر الله عن طائفة من المؤمنين سؤال التفضيل ومدحهم على علو طبعهم وسمو همتهم حيث قال : " والذين يقولون ربنا - إلى أن قال - : واجعلنا للمتقين إماما " ( 5 ) .

--> ( 1 ) الأعراف : 88 . ( 2 ) النمل : 15 . ( 3 ) القصص : 78 . ( 4 ) غافر : 83 . ( 5 ) الفرقان : 74 .